سيد قطب
2413
في ظلال القرآن
من طمأنينة وراحة ورضى ، فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها . والمؤمن يعبد ربه شكرا له على هدايته إليه ، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به . فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من اللّه ومنة . استحقاقا على الإيمان أو العبادة ! والمؤمن لا يجرب إلهه . فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له ، مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء . وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار ، إنما هي إسلام المخلوق للخالق ، صاحب الأمر فيه ، ومصدر وجوده من الأساس . والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب : « ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ » . . يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى . إلى جوار خسارة المال أو الولد ، أو الصحة ، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن اللّه بها عباده ، ويبتلي بها ثقتهم فيه ، وصبرهم على بلائه ، وإخلاصهم أنفسهم له ، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره . . ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان . فيا له من خسران ! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد اللّه على حرف ؟ إلى أين يتجه بعيدا عن اللّه ؟ إنه « يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ » . . يدعو صنما أو وثنا على طريقة الجاهلية الأولى . ويدعو شخصا أو جهة أو مصلحة على طريقة الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان ، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى اللّه وحده ، والسير على صراطه ونهجه . . فما هذا كله ؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء : « ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ » المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء . . « يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ » من وثن أو شيطان ، أو سند من بني الإنسان . . وهذا كله لا يملك ضرا ولا نفعا ؛ وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر . وضره أقرب من نفعه . ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب ، وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل . وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران « لَبِئْسَ الْمَوْلى » ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع « وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ » ذلك الذي ينشأ عنه الخسران . يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان ، والمولى والعشير من بني الإنسان ، ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان ! واللّه يدخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله ، حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء : « إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » . . فمن مسه الضر في فتنة من الفتن ، وفي ابتلاء من الابتلاءات ، فليثبت ولا يتزعزع ، وليستبق ثقته برحمة اللّه وعونه ، وقدرته على كشف الضراء ، وعلى العوض والجزاء . فأما من يفقد ثقته في نصر اللّه في الدنيا والآخرة ؛ ويقنط من عون اللّه له في المحنة حين تشتد المحنة . فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء ؛ وليذهب بنفسه كل مذهب ، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء : « مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ، ثُمَّ لْيَقْطَعْ ، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ » ! وهو مشهد متحرك لغيظ النفس ، وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ ، يجسم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه ، عندما ينزل بها الضر وهي على غير اتصال باللّه . والذي ييأس في الضر من عون اللّه يفقد كل نافذة مضيئة ، وكل نسمة رخية ، وكل رجاء في الفرج ،